ابن الأثير

73

الكامل في التاريخ

وأنكروا عليها ، فامتنعت من الإجابة ، وقيل كان المانع منه غير ذلك ، واللَّه أعلم . وكان العادل وملك إنكلتار يجتمعان [ 1 ] بعد ذلك ويتجاريان حديث الصلح ، وطلب من العادل أن يسمعه غناء المسلمين ، فأحضر له مغنيّة تضرب بالجنك ، فغنّت له ، فاستحسن ذلك ، ولم يتمّ بينهما صلح ، وكان ملك إنكلتار يفعل ذلك خديعة ومكرا . ثمّ إن الفرنج أظهروا العزم على قصد البيت المقدّس ، فسار صلاح الدين إلى الرّملة ، جريدة ، وترك الأثقال بالنطرون ، وقرب من الفرنج ، وبقي عشرين يوما ينتظرهم ، فلم يبرحوا ، فكان بين الطائفتين ، مدّة المقام ، عدّة وقعات في كلّها ينتصر المسلمون على الفرنج ، وعاد صلاح الدين إلى النطرون ، ورحل الفرنج من يافا إلى الرملة ثالث ذي القعدة ، على عزم قصد البيت المقدّس ، فقرب بعضهم من بعض فعظم الخطب واشتدّ الحذر ، فكان كلّ ساعة يقع الصوت في العسكرين بالنفير فلقوا من ذلك شدّة شديدة ، وأقبل الشتاء ، وحالت الأوحال [ 2 ] والأمطار بينهما . ذكر مسير صلاح الدين إلى القدس لمّا رأى صلاح الدين أنّ الشتاء قد هجم ، والأمطار متوالية متتابعة ، والنّاس منها في ضنك وحرج ، ومن شدّة البرد ولبس السلاح والسّهر في تعب دائم ، وكان كثير من العساكر قد طال بيكارها ، فأذن لهم في العود إلى بلادهم للاستراحة والإراحة ، وسار هو إلى البيت المقدّس فيمن بقي

--> [ 1 ] يجتمعون . [ 2 ] الأحوال .